الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

95

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولكنها تبتدئ فجأة بأنّ عذراء في بلد الناصرة مخطوبة ليوسف النجار ، قد حملت من غير زوج . والعرب يطلقون اسم مريم على المرأة المترجّلة التي تكثر مجالسة الرجال كما قال رؤبة : قلت لزير لم تصله مريمه . ( والزير بكسر الزاي الذي يكثر زيارة النساء ) وقال في « الكشاف » : مريم في لغتهم - أي لغة العبرانيين - بمعنى العابدة . وتكرّر فعل اصْطَفاكِ لأنّ الاصطفاء الأول اصطفاء ذاتي ، وهو جعلها منزّهة زكية ، والثاني بمعنى التفضيل على الغير . فلذلك لم يعدّ الأول إلى متعلّق . وعديّ الثاني . ونساء العالمين نساء زمانها ، أو نساء سائر الأزمنة . وتكليم الملائكة والاصطفاء يدلان على نبوءتها والنبوءة تكون للنساء دون الرسالة . وإعادة النداء في قول الملائكة : يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لقصد الإعجاب بحالها ، لأنّ النداء الأول كفى في تحصيل المقصود من إقبالها لسماع كلام الملائكة ، فكان النداء الثاني مستعملا في مجرّد التنبيه الذي ينتقل منه إلى لازمه وهو التنويه بهذه الحالة والإعجاب بها ، ونظيره قول امرئ القيس : تقول وقد مال الغبيط بنامعا * عقرت بعيري يا إمرأ القيس فانزل ( فهو مستعمل في التنبيه المنتقل منه إلى التوبيخ ) . والقنوت ملازمة العبادة ، وتقدم عند قوله تعالى : وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ في سورة البقرة [ 238 ] . وقدم السجود ، لأنّ أدخل في الشكر والمقام هنا مقام شكر . وقوله : مَعَ الرَّاكِعِينَ إذن لها بالصلاة مع الجماعة ، وهذه خصوصية لها من بين نساء إسرائيل إظهارا لمعنى ارتفاعها عن بقية النساء ، ولذلك جيء في الراكعين بعلامة جمع التذكير . وهذا الخطاب مقدمة للخطاب الذي بعده وهو يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [ آل عمران : 45 ] لقصد تأنيسها بالخبر الموالي لأنه لما كان حاصله يجلب لها حزنا وسوء قالة بين الناس ، مهّد له بما يجلب إليها مسرّة ، ويوقنها بأنّها بمحل عناية اللّه ، فلا جرم أن